خاص الموضوعية أونلاين

رئيس بلدية قصرنبا محمد الديراني ل”الموضوعية اونلاين”: نريد تحويل إرث البلدة إلى فرصة للمستقبل


حوار: زياد العسل

كيف تصفون قصرنبا، وما الذي يميزها تاريخياً وحضارياً؟

قصرنبا ليست مجرد بلدة بقاعية تقع على سفوح الجبل وتطل على سهل البقاع، بل هي بلدة متكئة على تاريخ طويل، تختزن في أرضها طبقات متعاقبة من الحضارة، وتحمل في حاضرها إرثاً اجتماعياً وإنسانياً يستحق أن يُروى.

وعندما نتحدث عن قصرنبا، لا يمكن أن نتجاوز موقعها الأثري الأبرز، معبد قصر البنات، وهو معلم روماني مميز يقع على تلة صخرية مرتفعة، وتظهر فيه ضخامة الحجارة ودقة البناء والمنشآت المنحوتة في الصخر.
وتشير المصادر الأثرية إلى أن الموقع قد يكون أقدم من الحقبة الرومانية، مع احتمال وجود مراحل بناء سابقة، فيما بقيت أجزاء من المعبد والمنشآت المحيطة به شاهدة على أهمية المكان عبر العصور.

وماذا تعني قصرنبا بعيداً عن الآثار والتاريخ؟

قصرنبا بالنسبة إلينا ليست حجارة وآثاراً فقط. هي أهلها، والعائلات التي حافظت على وجودها، والمزارع الذي بقي مرتبطاً بأرضه، والكرمة التي تشكل جزءاً من هوية البلدة، وهي التقاليد الاجتماعية وروح التعاون والتكافل التي تميز مجتمعها.
نحن لا نريد أن نبقى أسرى الماضي، بل نريد أن نحول هذا الإرث إلى فرصة للمستقبل. فالموقع الأثري يمكن أن يكون مدخلاً لتنشيط السياحة الثقافية والريفية، وتشجيع الزوار على اكتشاف تاريخ قصرنبا وطبيعتها ومنتجاتها المحلية، بالتوازي مع تحسين البنية التحتية والخدمات وحماية البيئة.

كيف تنظرون إلى واقع العمل البلدي في لبنان في ظل الأزمات؟
إذا أردنا أن نصف المشهد البلدي في لبنان اليوم، يمكن القول إن البلديات هي من أكثر المؤسسات التي دفعت ثمن الأزمات المتراكمة، وفي الوقت نفسه هي من أكثر المؤسسات التي بقيت حاضرة إلى جانب الناس.
البلديات واجهت خلال السنوات الماضية أزمة مالية واقتصادية، وتراجعاً في الموارد، وارتفاعاً كبيراً في كلفة الخدمات، إضافة إلى تداعيات النزوح والأزمات الأمنية والاجتماعية.

لكنني لا أرى المشهد البلدي من زاوية الصعوبات فقط، بل أرى أن لدينا فرصة لإعادة بناء العمل البلدي على أسس جديدة.
ما الأولويات التي ترونها ضرورية لتعزيز العمل البلدي؟

نحتاج أولاً إلى تعزيز الاستقلالية المالية للبلديات، لأن البلدية التي لا تملك موارد مستقرة لا تستطيع أن تخطط للمستقبل.

كما نحتاج إلى الانتقال من بلديات تدير الأزمات إلى بلديات تخطط للمستقبل، بحيث تكون لدى كل بلدية خطة تنمية محلية واضحة تحدد حاجاتها وأولوياتها، من المياه والطاقة والنفايات والصرف الصحي، وصولاً إلى الزراعة والسياحة وفرص العمل.

كما أن مشاريع الطاقة الشمسية وإدارة المياه وفرز النفايات وحماية البيئة لم تعد مشاريع ترف، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الأمن الاجتماعي والاقتصادي للبلدة.
وماذا عن الاستثمار في الإنسان؟
أنا أؤمن أن بناء الحجر من دون بناء الإنسان يبقى ناقصاً. فالحجر يمكن أن يبقى قائماً لعشرات أو مئات السنين، لكن الذي يحافظ عليه ويطوره ويعطيه قيمته هو الإنسان.
لذلك، العمل البلدي لا يجب أن يقتصر على تعبيد الطرق وإنشاء شبكات المياه والإنارة وتحسين البنية التحتية. هذه أمور أساسية، ولكن بالتوازي معها يجب أن نستثمر في الإنسان، وفي قدراته وثقافته ومستقبله.

نحتاج إلى بيئة تعليمية وثقافية جيدة، ومكتبات ومراكز ثقافية، وتدريب مهني، وإعطاء الشباب فرصاً حقيقية لاكتساب المهارات والعمل والإنتاج.
كما نحتاج إلى دعم المرأة وتعزيز دورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وماذا تطمحون لقصرنبا في المرحلة المقبلة؟

في قصرنبا نطمح إلى أن نسير في الاتجاهين معاً: تحسين البنية التحتية والخدمات، وفي الوقت نفسه خلق مساحات للثقافة والتعلم والنشاط الاجتماعي، وإعطاء الشباب والنساء فرصاً للمشاركة والإنتاج.
وأعتقد أن الاستثمار الأهم الذي يمكن أن تقوم به أي بلدية هو الاستثمار في عقل الإنسان وكرامته وقدرته على الإنتاج.
عندما نبني بئراً أو طريقاً أو شبكة مياه، نحن نبني حجراً وخدمة؛ أما عندما نبني مدرسة أو مكتبة، أو ندرّب شاباً على مهنة، أو نمكّن امرأة من إطلاق مشروع، فنحن نبني مستقبلاً.
الحجر يحمي الإنسان، لكن الإنسان هو الذي يحمي الحجر ويعطيه الحياة. ومن هنا يجب أن يسيرا معاً: نبني المكان، ونبني الإنسان الذي سيحمل مسؤولية هذا المكان غداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى