خاص الموضوعية أونلاين

بين إعلام «المرتزقة» والسفارات وإعلام «الرسالة»

زياد العسل

في هذا البلد، يحار المرء من أين يبدأ، إذ بات الثابتون على مبادئهم وأفكارهم يُوصَفون بالسذاجة، فيما يُقدَّم المنافقون، الذين يبدّلون ثوابتهم كما يبدّلون ثيابهم، على أنهم أهل «الشطارة» والمرونة والفكر اليقظ القادر على استيعاب تحوّلات اللحظة. وما يعزّز هذا المشهد هو القدرة على الاستثمار في الشارع اللبناني، وفي الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردّي، حيث قد تدفع قسوة العيش بعض النفوس إلى الارتهان للمال الأخضر على حساب الحق والحقيقة. والطامّة الكبرى أن كثيرًا من اللبنانيين باتوا يجدون صعوبة في التمييز بين أصحاب المواقف الصادقة وأولئك الذين يتقنون فنّ التضليل، بعدما استشرت ثقافة الفساد الإعلامي إلى حدٍّ أصبح معه التمييز بين الحقيقة والزيف يحتاج إلى جهد ووعي.

إنّ بعض الذين يطلّون على الشاشات اليوم يشكّلون تحدّيًا حقيقيًا لقيم السلطة الرابعة وما تمثّله من مسؤولية أخلاقية واجتماعية وإنسانية وفكرية. فهؤلاء، في نظر منتقديهم، ليسوا سوى «إعلاميين عند الطلب»، تتبدّل مواقفهم وفقًا للمصالح والحقائب والمبالغ المرصودة، فيما يسعون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم مرجعيات وطنية وفكرية لا غنى عنها في قراءة الواقع ومعالجة الأزمات الكبرى. والمفارقة أنّ الخطاب الذي يفترض أن يسهم في توعية الناس وفتح آفاق النقاش العام قد يتحوّل، حين يخضع للمصالح، إلى أحد العوائق أمام قيام مشهد سياسي وإعلامي سليم، قوامه المهنية والاستقلالية واحترام عقول الناس.

وفي بلد تتشابك فيه المصالح الداخلية مع التدخلات الخارجية، يبقى السؤال عن استقلالية الإعلام وصدقية الخطاب وطنيًا بامتياز. فالإعلام ليس مجرّد منبر لتبادل الاتهامات أو تسويق المواقف، بل مسؤولية تفرض على من يمتهنه أن يضع الحقيقة فوق الحسابات، وأن يدرك أنّ الكلمة أمانة، وأنّ ثقة الناس لا تُشترى بالمال ولا تُبنى بتبديل المواقف وفقًا لاتجاه الرياح.

هنا تتجلّى المسافة بين إعلامٍ تحكمه المصالح، وإعلامٍ يحمل رسالة، ويؤمن بأنّ الكلمة موقف، وأنّ الحرية لا تكتمل إلا بالاستقلالية، وأنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحجم التمويل ولا برضا السفارات، بل بالقدرة على قول الحقيقة مهما كانت كلفتها. وفي بلدٍ تتزاحم فيه نفوذ السفارات وتتداخل فيه الحسابات، تبقى الكلمة الصادقة امتحانًا أخلاقيًا لا يجتازه إلا من يضع ضميره قبل مصالحه، والحقيقة قبل كلّ اعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى