خاص الموضوعية أونلاين

الحزب» ومعضلة الحلفاء: عندما تهتز التحالفات عند أول اختبار

زياد العسل

لم تعد معضلة «الحزب» في لبنان مرتبطة فقط بالظروف السياسية والعسكرية التي فرضتها السنوات الأخيرة، بل باتت مرتبطة أيضًا بسؤال أكثر دقة وحساسية: من هم الحلفاء الذين يمكن الاتكاء عليهم عندما تصبح الخيارات صعبة، وتصبح كلفة الموقف أعلى من مردوده السياسي؟

خلال عقود، بنى «الحزب» شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات السياسية، بعضها قام على تفاهمات استراتيجية، وبعضها الآخر نشأ من تقاطع مصالح فرضته مراحل سياسية وانتخابية مختلفة. وقد استطاعت هذه التحالفات، في محطات كثيرة، أن تمنح الحزب مساحة أوسع داخل المعادلة اللبنانية، وأن تؤمّن له غطاءً سياسيًا يتجاوز بيئته المباشرة.

لكن السنوات الأخيرة كشفت، في المقابل، أن التحالفات ليست كلها على الدرجة نفسها من الصلابة.
ففي زمن الاستقرار النسبي، قد تبدو المصالح المشتركة كافية لبناء تحالف متين، لكن الاختبار الحقيقي لأي تحالف يبدأ عندما تتبدل الظروف، وترتفع كلفة الموقف، ويصبح المطلوب من الحليف أن يحدد موقعه بوضوح.

مصدر سياسي متابع للملف يقول لـ«الموضوعية أونلاين» إن بعض التحالفات التي بناها «الحزب» خلال السنوات الماضية لم تكن قائمة بالضرورة على رؤية سياسية مشتركة طويلة الأمد، بقدر ما كانت في بعض مراحلها نتيجة تقاطع مصالح فرضته اللحظة السياسية، ويضيف أن تبدل الظروف الداخلية والإقليمية كشف تباينات واسعة بين أطراف كانت تبدو، في مراحل سابقة، ضمن خندق سياسي واحد.

ويعتبر المصدر أن التحالف الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات المشتركة ولا بحجم المصالح الانتخابية، بل بقدرته على الصمود أمام الاختبارات الكبرى، مشيرًا إلى أن بعض القوى التي اقتربت من «الحزب» في مراحل القوة، أعادت حساباتها عندما تغيرت المعادلات وارتفعت كلفة التموضع السياسي.

وهنا لا تقتصر المسؤولية على الحلفاء وحده،فالحزب الذي استطاع خلال سنوات طويلة بناء شبكة سياسية واسعة، يجد نفسه اليوم أمام ضرورة إعادة قراءة تجربة التحالفات نفسها: من كان شريكًا استراتيجيًا؟ ومن كان شريكًا انتخابيًا؟ ومن كان يبحث عن موقع داخل المعادلة؟ ومن بقي ثابتًا عندما أصبحت كلفة التحالف مرتفعة؟

ذلك أن التحالفات السياسية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تستمر بالمنطق نفسه عندما تتغير الظروف، وما كان ممكنًا في مرحلة سياسية معينة قد يصبح عبئًا في مرحلة أخرى، خصوصًا عندما تتبدل الأولويات وتتغير موازين القوى.

المسألة، في النهاية، ليست في أن يتفق الحلفاء على كل شيء؛ فالتحالف السياسي لا يعني التطابق الكامل في الرؤية. لكن السؤال الأساسي هو: هل هناك حد أدنى من الثوابت التي تجعل الاختلاف داخل التحالف ممكنًا، من دون أن يتحول الاختلاف إلى افتراق عند أول منعطف؟

فلبنان دخل مرحلة مختلفة، والتحالفات التي كانت صالحة لمرحلة سابقة قد تحتاج إلى إعادة تقييم، ليس فقط من زاوية عدد المقاعد أو حجم النفوذ، بل من زاوية الثقة والاستمرارية ووضوح الموقف والقدرة على تحمل تبعات الشراكة السياسية. فالسؤال ليس أن يتفق الحلفاء على كل شيء، بل أن يمتلكوا حدًا أدنى من الثوابت التي تجعل الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول إلى افتراق عند أول منعطف.

وفي السياسة، لا يكفي أن تعرف من يقف إلى جانبك عندما تكون الظروف مواتية؛ الأهم أن تعرف من يبقى شريكًا عندما تصبح الوقفة مكلفة لذلك، قد لا تكون المشكلة في كثرة حلفاء «الحزب»، بقدر ما هي في نوعية التحالفات التي يريدها للمرحلة المقبلة. فالحصان الذي يركض في السهل قد يجذب كثيرين، أما في الطريق الوعر، فلا يبقى إلا من يعرف لماذا اختار أن يكون إلى جانبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى