معركة انتخابية مصيرية في “إسرائيل” وسط انقسامات غير مسبوقة.. من يملك مفاتيح الحكم؟

تجه “إسرائيل”، الثلاثاء، إلى انتخابات تشريعية توصف بأنها الأكثر حساسية في تاريخها، وسط انقسامات سياسية ومجتمعية عميقة، وتداعيات الحروب التي خاضتها منذ هجمات السابع من تشرين الأول 2023، في اقتراع قد يحدد مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة رغم تراجع شعبية ائتلافه الحاكم.
وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن الانتخابات، وهي الأولى منذ هجمات حركة حماس التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، تأتي بعد 3 سنوات شهدت حرباً مدمرة في قطاع غزة، وحربين مع إيران لم تسفرا عن نتائج حاسمة، وتصاعداً في اعتداءات المستوطنين، والتهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وتجري الانتخابات أيضاً وسط جدل داخلي بشأن مستقبل المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية، بعد محاولات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة تقليص صلاحيات المحكمة العليا، وتصاعد الخلافات بشأن التجنيد الإجباري، والإعفاءات الممنوحة لليهود المتشددين دينياً.
نتنياهو أمام اختبار البقاء
يسعى نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة طوال 19 عاماً من العقود الثلاثة الماضية، إلى الحصول على تفويض جديد، مستفيداً من دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مواجهة منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت، الرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات بالنسبة إلى نتنياهو على مستقبله السياسي، إذ يواجه محاكمة بتهم فساد، ما يجعل خسارته السلطة مرتبطة باحتمال تعرضه لمخاطر قانونية أكبر، بما فيها السجن.
في المقابل، يقدم آيزنكوت نفسه باعتباره بديلاً عن النهج الذي اتبعه نتنياهو، مستنداً إلى خلفيته العسكرية وتجربته الشخصية، بعدما فقد ابنه واثنين من أبناء أشقائه خلال القتال في غزة العام 2024.
وينحدر آيزنكوت من أسرة مهاجرة من المغرب، وتمكن من الوصول إلى أعلى المناصب العسكرية الإسرائيلية قبل دخوله المعترك السياسي.
ورغم افتقاره إلى الحضور الجماهيري الذي يتمتع به نتنياهو، حاول تحويل هذه النقطة إلى عنصر قوة في حملته الانتخابية، عبر التركيز على النزاهة والابتعاد عن الخطاب السياسي التقليدي، حتى إنه اختار لحزبه الجديد اسم “ياشار”، الذي يعني “الصدق” أو ”الاستقامة”.
الأمن والحروب يتصدران اهتمامات الناخبين
تحتل القضايا الأمنية صدارة اهتمامات الناخبين الإسرائيليين، متقدمة حتى على أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل استمرار تداعيات هجمات السابع من أكتوبر والحروب التي أعقبتها.
وتحمّل المعارضة حكومة نتنياهو مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سمح بوقوع الهجمات، إلى جانب تراجع استقلال المؤسسات الديمقراطية، وتصاعد نفوذ التيارات الدينية المتشددة، والأعباء الاقتصادية والبشرية للحروب المستمرة على جبهات متعددة.
وتعهدت أحزاب معارضة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، كما أعلنت معظمها تأييد إنهاء الإعفاء من الخدمة العسكرية الممنوح للرجال اليهود المتشددين دينياً، وهي قضية تثير استياء عائلات الجنود الذين يخدمون في الجيش أو فقدوا أبناءهم خلال الحروب.
وتتصاعد المخاوف داخل “إسرائيل” أيضاً من اتساع العزلة الدولية، في ظل العقوبات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني، إلى جانب تسارع هجرة الكفاءات وأصحاب المؤهلات العالية إلى الخارج.
أما نتنياهو، فيحاول تحميل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاقات التي سبقت هجمات أكتوبر، ويقدم نفسه باعتباره الزعيم الوحيد القادر على حماية إسرائيل، مستنداً إلى خبرته الطويلة وعلاقاته الدولية.
وفي محاولة لتعزيز خطابه الأمني، نشر، أخيراً، صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر انفجار قنبلة نووية في تل أبيب، محذراً الناخبين من عواقب التصويت للمعارضة على أمنهم ووجودهم.
وفي الوقت نفسه، يدعو حلفاؤه من اليمين المتطرف إلى تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية المحتلة وتوسيع المستوطنات، بينما يتمسك شركاؤه من الأحزاب الدينية بالحفاظ على الإعفاءات العسكرية والدعم الحكومي المخصص للدراسة الدينية.
استطلاعات ترجح خسارة الائتلاف الحاكم
تشير معظم استطلاعات الرأي إلى احتمال فقدان حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو وحلفائه الحاليين الأغلبية البرلمانية، في امتداد لتراجع مستمر في التأييد الشعبي منذ أكثر من عامين.
وتظهر الاستطلاعات وجود أغلبية معارضة لاستمرار نتنياهو في الحكم، لكنها موزعة بين أحزاب إسرائيلية يهودية يقودها آيزنكوت، وأحزاب تمثل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
وتكمن المعضلة الرئيسة في أن الأحزاب اليهودية المعارضة لا تبدو قادرة على تأمين أغلبية برلمانية منفردة، في حين استبعد معظمها تشكيل ائتلاف حكومي مع الأحزاب الفلسطينية.
ومع ذلك، أبدى سياسيون فلسطينيون استعدادهم لدعم حكومة أقلية تقودها الأحزاب اليهودية المعارضة، بهدف إنهاء حكم الائتلاف اليميني المتطرف.
ويجعل هذا التوزيع البرلماني المحتمل مهمة تشكيل الحكومة المقبلة أكثر تعقيداً، حتى في حال حصول القوى المناهضة لنتنياهو على عدد مقاعد يتجاوز ما يحصده معسكره.
أحزاب صغيرة قد تحسم النتيجة
يتألف الكنيست الإسرائيلي من 120 مقعداً، يجري توزيعها وفق نظام التمثيل النسبي، ويحتاج تشكيل الحكومة إلى تأمين دعم 61 نائباً على الأقل.
ولم يتمكن أي حزب في تاريخ “إسرائيل” من الحصول منفرداً على الأغلبية البرلمانية، ما جعل الحكومات الائتلافية سمة دائمة للنظام السياسي.
ومن المقرر إعلان استطلاعات الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع عند الساعة العاشرة مساء الثلاثاء بتوقيت “إسرائيل”، على أن تبدأ النتائج الفعلية الأولية بالظهور خلال الساعات الأولى من صباح الأربعاء.
وقد يتأخر حسم النتيجة بسبب وضع حزبين صغيرين تشير الاستطلاعات إلى اقترابهما من نسبة الحسم الانتخابية البالغة 3.25%، وهي الحد الأدنى اللازم لدخول الكنيست.
ويتمثل الحزب الأول في “عمخا يسرائيل”، الذي يقوده الجنرال السابق عوفر وينتر، وأعلن استعداده لدعم نتنياهو إذا تمكن حزبه من دخول البرلمان.
أما الحزب الثاني فهو “الاحتياطيون”، وهو حزب صهيوني يميني يركز على فرض التجنيد الإجباري على الجميع، ويتخذ موقفاً وسطاً بين المعسكرين المتنافسين.
واستبعد قادة الحزب المشاركة في أي حكومة تعتمد على دعم الأحزاب الدينية المتشددة، التي تمثل ركناً أساسياً في ائتلاف نتنياهو، أو الأحزاب الفلسطينية التي قد يحتاج آيزنكوت إلى مساندتها.
وفي حال تجاوز الحزبان نسبة الحسم، سيحصل كل منهما على 4 مقاعد، وهو ما قد يغير حسابات تشكيل الائتلاف المقبل بصورة كبيرة.
وبعد إعلان النتائج، يتولى الرئيس الإسرائيلي تكليف زعيم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد بمحاولة تشكيل ائتلاف حكومي، لكن نجاح هذه المهمة سيبقى مرهوناً بقدرته على جمع الدعم البرلماني اللازم.
ملايين الفلسطينيين خارج العملية الانتخابية
تثير الانتخابات الإسرائيلية تساؤلات بشأن طبيعة التمثيل الديمقراطي في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، في ظل حرمان ملايين الفلسطينيين من المشاركة في التصويت.
وتشير “الغارديان” إلى أن نحو 15 مليون شخص يعيشون في مناطق تسيطر عليها إسرائيل، لكن الحقوق الانتخابية تختلف بصورة كبيرة بين السكان. فداخل حدود ما قبل حرب العام 1967، المعروفة باسم “الخط الأخضر”، يتمتع أكثر من 7 ملايين إسرائيلي يهودي ونحو 1.7 مليون مواطن فلسطيني بحق التصويت الكامل.
وفي الضفة الغربية المحتلة، يستطيع أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي المشاركة في الانتخابات، بينما يُحرم نحو 3.1 مليون فلسطيني يعيشون تحت الحكم العسكري الإسرائيلي من هذا الحق.
ويتكرر الوضع في القدس الشرقية المحتلة، حيث يتمتع أكثر من 230 ألف إسرائيلي بحق التصويت، مقابل نحو 350 ألف فلسطيني لا يملكون هذا الحق.
كما لا يحق لنحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، رغم أن محكمة العدل الدولية تعتبر القطاع واقعاً تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
وبين احتمالات انتهاء حكم نتنياهو أو استمراره، تتجاوز أهمية انتخابات الثلاثاء تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، لتشمل مستقبل التوازنات السياسية داخل “إسرائيل”، وعلاقتها بالمؤسسات الديمقراطية، واتجاه سياساتها العسكرية والاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.



